الجنوب التونسي : بين فرص التشغيل وتحديات الانتقال الطاقي

In الأخبار On
- تم تحديثه في

منذ عقود، يُعدّ الجنوب التونسي أحد الملفات الرئيسية المتعلقة بالتنمية الوطنية. هذه المنطقة تزخر بالثروات والإمكانات الكبيرة، مع أنها تبقى مساحة تنتظر استغلال مواردها بشكل أفضل. لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون وضع الجنوب في صلب أولوياته، لأن مستقبل تونس لا يعتمد فقط على جزء من أراضيها وسكانها، بل على مجمل مواردها البشرية والطبيعية.

“الاستثمار في الجنوب: من التحدي إلى خلق فرص العمل”

تتمتع ولايات الجنوب التونسي – من مدنين إلى تطاوين مروراً بقابس وقبلي – بشباب ديناميكي وموارد بشرية مؤهلة. رغم هذه المقومات، يبقى الجنوب خارج قائمة أكثر عشر مناطق جذباً للاستثمارات على المستوى الوطني، مما يجعل الحاجة إلى مبادرات صناعية جديدة أكثر إلحاحاً لتعزيز نصيبه من المشاريع والتنمية.

في هذا الإطار،تحتل شركة مار الب موقعاً محورياً في التنمية الاقتصادية للمنطقة، محوّلة الفرص المتاحة في الجنوب إلى نجاحات صناعية حقيقية وخلق وظائف مستدامة. وهي مثال واضح على كيف يمكن للاستثمار الجاد أن يحوّل التحديات إلى فرص ملموسة.

مشاريع واستثمارات ملموسة

تتمتع الشركة بحق استغلال لمناجم الملح لمدة 25 عاماً على مساحة 4400 هكتار في موقع سبخة البريقة بولاية مدنين. وهي موجودة منذ نهاية التسعينات بموقع جرجيس، أحد أكثر المواقع تقدماً في البلاد، حيث تنتج أكثر من 700,000 طن من الملح البحري سنوياً، مساهمة بذلك بشكل كبير في الاقتصاد المحلي والوطني.

مع هذه التوسعة الجديدة، تعزز الشركة حضورها الصناعي، وتخلق المزيد من فرص العمل، وتستمر في تعزيز تنافسيتها في الأسواق الوطنية والدولية. قبل أي تدخل ميداني، تلتزم مار الب بحل جميع المسائل العقارية وفقاً للقانون المعدني وإبلاغ مديرية المناجم والوكالة الوطنية لحماية البيئة ببدء الأعمال، مما يعكس جدية الشركة واحترامها للأنظمة والقوانين.

إطار قانوني مستقر

يأتي هذا المشروع ضمن إطار قانوني واضح، إذ يمنح القانون المعدني لسنة 2003 حقوق استغلال الموارد ويضمن الالتزام بالقوانين والتنظيمات المعمول بها. يتيح هذا الإطار القانوني لشركة مار الب تطوير مواقعها الإنتاجية، واستثمار المعدات والتقنيات الحديثة، وتحسين الأداء الصناعي بشكل مستمر، مما يثبت أن التراخيص يمكن أن تكون أداة فعالة لاستثمار الموارد الوطنية وخلق قيمة مضافة مستدامة.

الانتقال نحو الطاقة المستدامة

العالم يتجه بسرعة نحو الطاقة المتجددة، ولا يمكن لتونس أن تبقى خارج هذا المسار. الجنوب التونسي يمتلك ميزة فريدة: أشعة شمس دائمة ورياح قوية، موارد طبيعية مجانية قادرة على تحويل المنطقة إلى قطب إقليمي للطاقة النظيفة.

في جرجيس، لا يقتصر دور مار الب على الإنتاج الصناعي فقط، بل يمتد إلى تطوير البنية التحتية المحلية، حيث يمثل الملح حوالي 80% من إجمالي حركة ميناء جرجيس، ما يدعم الصادرات الوطنية ويسمح للميناء بالاستثمار في تطوير بنياته وتعزيز موقعه الاستراتيجي.

كما شرعت الشركة في الانتقال إلى نموذج صناعي مستدام من خلال إنشاء محطة شمسية تغطي جزءاً كبيراً من استهلاك الكهرباء، بهدف الوصول إلى الحياد الكربوني. هذه الخطوة ليست رفاهية بيئية، بل استثمار اقتصادي يقلل التكاليف ويعزز تنافسية المنتجات التونسية، خصوصاً في الأسواق الأوروبية التي تفرض معايير بيئية صارمة.

تطوير مستقبلي واستثمار في الابتكار

تقوم الشركة حالياً بمشروع بقيمة 12,5 مليون دينار لتحديث وتوسعة موقع جرجيس، لرفع القدرة الإنتاجية السنوية إلى أكثر من مليون طن، مع دمج تقنيات متقدمة لزيادة الكفاءة وتقليل الأثر البيئي. يعتمد المشروع على شراكات مع الشركات الناشئة والجامعات المحلية، ليصبح موقع جرجيس مختبراً للبحث والابتكار في خدمة الاستدامة الصناعية.

من المبادرات الفردية إلى استراتيجية وطنية

ترسل هذه المبادرات رسالة واضحة: يمكن للجنوب أن يصبح نموذجاً في مجال الوظائف الخضراء والطاقة المتجددة. لكن ذلك يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تدعم جهود الدولة بتوفير التمويل الكافي، وتحفيز الاستثمارات، وربط الجامعات بسوق العمل من خلال برامج تدريبية متخصصة.

دعوة للعمل

مستقبل تونس يكمن في جنوبها. خلق فرص العمل والانتقال للطاقة المستدامة ليسا خيارين ثانويين، بل ركائز أساسية لمواجهة تحديات التنمية وتلبية طموحات الشباب في هذه المناطق. تحويل الجنوب إلى محرك للفرص الاقتصادية والبيئية هو الطريق نحو الازدهار الشامل والمستدام لخدمة مصالح كل البلاد.

قائمة الموبايل